مجموعة مؤلفين

36

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال

معجّلا لهم ، وفوق هؤلاء قوم ارتفعت الحجب من قلوبهم ، وباشر بواطنهم نور اليقين ، وصدق المعرفة ، فلا حاجة لهم إلى مدد من المخرقات ، ورؤية القدر والآيات ، ولهذا ما نقل عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثير من ذلك إلا القليل ، ونقل عن المتأخرين من المشايخ والصادقين أكثر ؛ لأن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبركة صحبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ومجاورة نزول الوحي وتردّد الملائكة وهبوطها تنوّرت بواطنهم ، وعاينوا الآخرة ، وزهدوا في الدنيا وتزكّت نفوسهم ، وانخلعت عاداتهم ، وانصقلت مرايا قلوبهم ، فاستغنوا بما أعطوا من رؤية الكرامة ، واستماع أنوار القدرة . قال اليافعي : وأيضا فهذه الكرامات من الكشف وغيره أنوار ، والأنوار إنما يظهر حسن بهائها في الظلمة ، فأما الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين فكلّهم أنوار ليس فيهم ظلمة ؛ لتوهّج ضياء شمس النبوة عليهم ، وكمال محاسنهم ، ثم أن الشمس إذا غربت تظهر الظلمة عقيب غروبها ولا تظهر إلا الكواكب الكبار ، فكلما تغرب عن الأفق تكثر الظلمة ، فتظهر سائر الكواكب إلى أن يظهر فجر الوعيد ، وأيضا الصحابة كانوا أهل حقّ ، وسنّة ، وطاعة ، وعدل ، ومعروف ، ثم ظهر بعدهم عكس ذلك من الباطل والبدع ، والمعاصي ، والظلم ، والمنكر ، فبثّ اللّه تعالى في سائر البلدان رجالا قلّدهم سيوفا ماضيات تقطع أعناق المنكرين عليهم . والحاصل : أنه قد علمت أنهم قد اتفقوا على أن الفارق بين الكرامة والمعجزة هو تحدي النبوة فقط ، ولم يشترط أحد منهم لكون الكرامة دون المعجزة في جنسها وعظمها ، فدلّ ذلك على جواز استوائهما فيما عدا التحدي المذكور ، ويشهد لصحة هذا القول قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : « لو أقسم على اللّه لأبرّه « 1 » » . فإن الإبرار المذكور عامّ في كل مقسم فيه .

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .